أبو سعيد بن نشوان الحميري

مقدمة 48

الحور العين

لجذيمة الوضّاح ، وكم وصفها بالمكر بصير ، لو يطاع قصير ، وحذّر منها نذير ، لو ينفع التّحذير ، فحبّها للقلوب متيّم ، وكل يوم هي من بعل أيّم ، كثيرة العشاق والخطّاب ، وكل خائب صفر الوطاب ، قد دقوا بينهم عليها عطر منشم ، وتجشّم الصعب كلّ متجشم ، عارية تستردّ من مستعيرها ، وعرية يرتجعها معيرها ، كم لها من آبر ، يعلن بذمّها على المنابر ، ومن لائم ، وهو بها جدّ هائم ، يغدو منها الزّاهد ، وهو لضنك العيش مجاهد ، فقيل هو للدنيا رافض ، وقد ركضه عن الدنوّ منها راكض ؛ سمعت في الناس بزاهد واحد ، ولا تخفى الغزالة لجاحد ، رب الخورنق ، في صفو عيش غير مرنّق ، فسرّه ما رأى من ملكه العقيم ، وميّز بصحيح من الفكر غير سقيم ، فقال أو كلّ ما أرى إلى زوال ؟ قيل نعم وتقلب من الأحوال ، فقال لأطلبنّ عيشا لا يزول ، وملكا ربّه عنه غير معزول ، فانخلع من ملكه ولبس الأمساح ، وذهب في الأرض مترهبا وساح ، وحق للعاقل أن يتوب ، قبل أن يوافى أجله المكتوب . اللّهم إنّى إليك تائب ، ومن لم يتب من عبادك فهو خائب ، توبة من بهضه الذّنب ، وأثقل منه الغارب والجنب ، واستغفرك استغفار منيب هائد ، إلى كل ما يسخطك غير عائد ، قد اعترف بما اقترف ، ووجل ممّا عمل ، فخجل ، نادم من تلك الخطايا وركوب تلك المطايا ، التي اقتعد منها العشواء ، فتابعت به الأهواء ، حتّى أوردته في المهالك ، وسلكت به أضيق المسالك ، فهو يتململ تململ السّليم ، ويتأوّه تأوّه المليم ، كدابغة أديم ذي حلم ، ومداوى ميت لا يحسّ بألم ، كيف السبيل إلى الخلاص من الورطة . ودخول باب حطّه ؟ لا خلاص إلا بالاخلاص ، ولات حين مناص ، لمن علق بشرك القناص ، لو كظمت ، لما ظلمت ، أو عفوت ، لما هفوت ، فهل من متصدّق على بائس فقير ، مثقل من الذنوب وقير ، بصدقة من حلّ ، تفكّه من الغلّ ، أو دعوة مثابه ، يرجى له بها إجابة ؟ إنّ اللّه يجزى المتصدقين ، ويثيب المتّقين .